أبدى مستثمرون وأصحاب شركات صغيرة ومتوسطة قلقاً على أنشطتهم التجارية، وتخوفاً من إدراجهم في القوائم السوداء للمصرف المركزي، لإصدارهم شيكات «مرتجعة»، للوفاء بالتزامات عليهم، من دون وجود غطاء مالي كافٍ في أرصدتهم في البنوك التي يتعاملون معها.
وأوضحوا لـ«الإمارات اليوم»، أنهم «لم يتعمدوا خداع عملائهم، لكنهم أصدروا تلك الشيكات وهم على دراية بأن هناك أموالاً يفترض أن تدخل في أرصدتهم البنكية في تواريخ استحقاق الشيكات، عن طريق عملاء آخرين، وجهات حكومية يرتبطون معها بعقود ومواعيد محددة لسداد الدفعات».
وطالبوا المصرف المركزي، بوقف العمل بهذه القائمة، مراعاة لظروف الأزمة، وما فرضته من واقع مغاير يستلزم التعامل معه بمرونة مع حالاتهم».
من جانبه، قال المصرف المركزي إن «الشيك أداة وفاء لابد من الالتزام بها»، مؤكداً «عدم وجود توجّه لتغيير النظام المعمول به في الوقت الحالي، كون الأمر يستلزم دراسة مستفيضة». وأوضح أن «إجراءاته تتعلق بتنظيم العلاقة المصرفية، ولا شأن لها باستمرار النشاط من عدمه».
«سيف»
وفي التفاصيل، قال المستثمر سالم علي إنه «يعيش حالة قلق شديدة بسبب ثلاثة شيكات، قام البنك بإرجاعها لعدم كفاية الرصيد»، متسائلاً عن «وضع شركته، إذا زاد عدد تلك الشيكات». وأضاف أن «ذلك يعني إدراجي في قائمة المصرف المركزي التي باتت سيفاً على رقاب المستثمرين»، حسب تعبيره. وتابع «أعمل في السوق منذ سبع سنوات، ولم أشهد مثل هذا التعثر من قبل، كما أنه لا يوجد لدي أي سوء نية تجاه العملاء»، موضحاً أنه «أصدر شيكات بتواريخ محددة، لعلمه المسبق بأن هناك أموالاً ستودع في رصيده البنكي، من التزامات لعملاء آخرين، بحسب عقود واتفاقات معهم، إلا أنه نظراً لظروف السوق، وتراجع وتيرة الأعمال، لم يفِ أولئك العملاء بالتزاماتهم المالية، خصوصاً أننا موردون لشركات مقاولات تأثرت بالأزمة المالية، وما ترتب عليها من تراجع الطلب على العقار».
التأني
من جانبه، قال أسعد موسى، الذي يمتلك شركة خاصة، إن له مستحقات مالية في السوق تقارب مليوني درهم، لكنه لم يستطع تحصيل أي مبلغ على مدار شهرين كاملين». وأضاف أنه «عندما طلب من عملائه أن يمنحوه وقتاً، كي يصل لاتفاق مع الجهات التي لم تلتزم بالسداد المالي، استجاب معظمهم، باستثناء عميل واحد قدم الشيك للبنك، وحصل على ما يفيد بعدم كفاية الرصيد».
ودعا موسى إلى «ضرورة إعادة النظر في القانون الذي ينظم عمل الشيك من قبل (المركزي) والبنوك، ودراسة حالة العميل»، وقال «إذا كان العميل ملتزماً لسنوات طويلة، وتعثر نشاطه لظروف خارجة عن إرادته، فيجب مراعاة ذلك قبل اتخاذ أية اجراءات قد تؤثر فيه».
حسابات
أما المستثمر محمد العفاري، فقد تحدث عن حالته، وكثرة أسفاره التي منعته من متابعة الوضع المالي للشركة، قائلاً: «للأسف، فإن ما حدث معي أمر مختلف لا ذنب لي فيه، حيث لم يقم محاسب الشركة التي أملكها، بتنظيم الحسابات المالية بشكل دقيق وواضح، يتيح لي معرفة واقع الأرصدة المالية للشركة في البنوك، فوقعت على شيكات مسحوبة على بنوك نتعامل معها منذ فترة»، وأضاف أن «شركتي مهددة بالإغلاق بسبب تلك الشيكات المرتجعة، التي يصل عددها حتى الآن إلى ثلاثة شيكات».
مقاصة
وفي السياق ذاته، قال الخبير المصرفي محمود عبدالله عياد إن «البنوك بالغت في إرجاع الشيكات لعملائها خلال الفترة السابقة، من دون مراعاة للتاريخ الائتماني لهم، أو التزامهم السابق معها»، مشيراً إلى «اعتماد نظام (المقاصة المصرفية الإلكترونية)، التي أسهمت في سرعة تحصيل الشيكات بين البنوك، عن طريق المصرف المركزي».
ولفت إلى وجود أخطاء تسببت في إرجاع كثير من الشيكات لعملاء كبار، منها عدم صحة التوقيع، إذ ينسى العميل أحياناً توقيعه المعتمد لدى البنك، أو أن يقوم محاسب الشركة بالتوقيع نيابة عنه، ما يضر بالشركة كثيراً إذا تراكمت تلك الشيكات المرتجعة». وأضاف عياد أن «أصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، هم الأكثر تأثراً بالأزمة المالية العالمية»، داعياً إلى «مراعاة ظروف السوق التي لم تعد كالسابق». وقال إن «على البنوك أن تدعم عملاءها الملتزمين، خصوصاً أن هناك عدداً منهم لهم دفعات مالية مستحقة لدى جهات حكومية أو خاصة، لم يتم تحصيلها، وقد تتأخر بسبب سفر المسؤول، أو عدم اكتمال العمل».
أنواع
وبحسب المحاسب القانوني عز الدين محمود، فإنه «يجب التفريق بين ثلاثة أنواع من المستثمرين الذين يقومون بإصدار شيكات من دون رصيد، النوع الأول: وهو الذي يصدر الشيك وهو يعلم تماماً عدم قدرته على الوفاء به، لعدم وجود أموال لديه، وهو يفعل ذلك للتخلص من مطاردة الدائنين، من دون ان يكترث لسمعته أو ما سيحدث بعد ذلك، وهذا هو الشائع قبل الأزمة المالية العالمية، وهنا يجب تطبيق القانون كاملاً لسوء النية».
أما النوع الثاني، وفقاً لمحمود، فهو الذي «يصدر شيكاً من دون رصيد، ويؤرخه بموعد دخول أموال لحسابه من عملاء آخرين لديه مستحقات عندهم، إلا أن ظروف السوق منعته من تحصيل تلك الأموال في تواريخها، فيتعرض لتهديد (القائمة السوداء)، التي تحرم المدرج فيها من التعامل مصرفياً مع أي بنك، أو حتى تحصيل أمواله عن طريق شيكات».
وقال إنه «لابد من مراعاة ظروف هذه الفئة، وتطبيق روح القانون، ومنحهم فرصة لتوفيق أوضاعهم».
أما النوع الثالث، فهم الذين ليس لديهم حسابات منتظمة، خصوصاً الشركات العائلية وهؤلاء أيضاً لا تتوافر عندهم سوء النية، ويجب على البنوك دعمهم».
أداة وفاء
إلى ذلك، دعا رئيس مجلس إدارة المصرف المركزي، خليل شريف فولاذي، أصحاب الشركات، إلى «عدم إصدار شيكات من دون وجود رصيد يعادل قيمتها في البنوك التي يتعاملون معها، حتى لا يوهموا الآخرين بأن لديهم أموالاً على غير الحقيقة»، لافتاً إلى أن «تعدد الشيكات المرتجعة للمؤسسة أو الشركة، أمر غير جيد وليس في مصلحة أي طرف».
وأضاف أن «الأزمة المالية فرضت أوضاعاً مختلفة، إلا أنه لا يمكن تغيير النظام المعمول به في المصرف تجاه الشيكات المرتجعة إلا بعد دراسة مستفيضة».
وفي السياق ذاته، أكد مسؤول في المصرف المركزي طلب عدم نشر اسمه، أن «عدد الشيكات المرتجعة زاد كثيراً في الفترة الأخيرة، مقارنة بالفترة التي سبقت الأزمة المالية». وقال إنه «ووفقاً لقانون (المركزي)، فإنه يتم إدراج الشركة أو الشخص الذي ترد له أربعة شيكات في قائمة سوداء، ما يترتب عليه إغلاق الحساب لدى البنك الذي يجري التعامل معه، وسحب (دفتر الشيكات)»، موضحاً أنه «لا يتم شطب الاسم من القائمة، إلا بعد مرور عام كامل، لا يمكن خلاله فتح حساب في أي بنك آخر، أو الحصول على تسهيلات، أو ما شابه ذلك من الأمور المتعلقة بالمصارف».
وأضاف أن «(المركزي) ينظم العلاقة المصرفية، ولا دخل له بباقي الإجراءات التي يتم اتخاذها بعد ذلك»، لافتاً إلى أنه لا يفترض بأحد أبداً أن يستغل ظروف الأزمة المالية العالمية، لإصدار شيكات من دون رصيد، لأن الشيك أداة وفاء يفترض في من يصدرها الالتزام التام بها».
المحكمة
من جانبه، قال المدير التنفيذي للشؤون التجارية في دائرة التنمية الاقتصادية في أبوظبي، حمد سالم النعيمي، إن «الدائرة لا تتخذ أي إجراء يتعلق برخصة المنشأة التي تدرج في القائمة السوداء الخاصة بالمصرف المركزي، نتيجة الشيكات المرتجعة إلا بعد صدور حكم من المحكمة، وتلقّي إدارة الرخص رسالة بطلب الإغلاق، أو عدم تجديد الرخصة».
وأوضح أن «اجراءات المصرف المركزي تخص البنوك فقط، وليست ملزمة للدائرة، كما لا يستطيع أي شخص يحمل شيكات مرتجعة لمنشأة ما، أن يتظلم بها لدينا، بل عليه التوجه إلى أقسام الشرطة، وعمل محضر رسمي، ليتم تحويله بعد ذلك إلى النيابة العامة، ومن ثم ترفع دعوى أمام المحكمة التي يعد حكمها هو الفيصل في استمرار النشاط من عدمه، والذي يجب أن تتلقى الدائرة نسخة منه بطريقة رسمية».
الشيكات المرتجعة
بلغ مجموع الشيكات المرتجعة خلال الأربعة أشهر الأولى من العام الجاري، وفقاً لإحصاءات المصرف المركزي 544.2 ألف شيك، من مجموع 9.74 ملايين شيك مسجل لدى المصرف، بنسبة 5.59٪.
فيما بلغ عدد البلاغات 4500 بلاغ خلال الفترة نفسها سواء من بنوك أو أفراد. وبلغ إجمالي الشيكات المرتجعة خلال العام الماضي نحو 1.27 مليون شيك، من مجموع 29.72 مليون شيك مسجل لدى المصرف بنسبة 4.27٪.
تم إضافته يوم الأحد 21/06/2009 م - الموافق 28-6-1430 هـ الساعة 8:04 صباحاً